محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
29
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
التوكيد . وبيان ذلك أن هذه العشر مبنية على ذكر عهد اللّه إلى الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه وما أخذ عليهم من المواثيق في تبيين ما أنزله إليهم للناس فقوله : وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ هو قوله : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ في المعنى فلما تقدم هذا الذكر وجاء : وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى اكتفى عن إعادة وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ بالذكر المتقدم ، ولما لم يتقدم في سورة البقرة ذكر إيتاء النبيين ما أوتوا من الكتب في هذه العشر لم يكن فيه ما يغني عن التوكيد بإعادة اللفظ . هذا الفرق بين الموضعين واللّه أعلم . الآية الثالثة عشرة قوله تعالى : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ « 1 » وقال بعده في هذه العشر : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ « 2 » . للسائل : أن يسأل عن الفائدة لتكرار هذه الآية في هذه العشر مع أن في كل واحدة كفاية . الجواب عنه أن يقال : إن قوله : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ هو الأمر الأول بالتوجه نحو القبلة التي هي الكعبة ، واللفظ للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وما بعده هو خطاب له ولأمته وهو قوله : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . . . وأما الآية الثانية وهي قوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فالخروج خروجان . أحدهما : خروج المصلي من مكان إلى مكان يرى فيه الكعبة ، وهو : المسجد الحرام ، فكأنه قال : ومن أي باب من أبواب المسجد خرجت فتوخّ استقبال الكعبة بالصلاة . والخروج الثاني : خروج من البلد الذي فيه المسجد الحرام وهو : الحرم فكأنه قال : وإن خرجت من البلد من أي باب خرجت فاجعل الكعبة قبلة تتوجه نحوها بصلاتك ، فعلى هذا يكون لكل آية فائدة ، فالأولى ليس فيها خروج ، والثانية هي خروج من أقرب الأماكن إلى الكعبة ، والثالثة خروج مما عدا ذلك عام في البلاد ، وقد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا يثبت مثلها
--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 144 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآيتان : 149 ، 150 .